الذات البشرية والذكاء الاصطناعي اشكالية الحضور والغياب
الذات البشرية والذكاء الاصطناعي: إشكالية الحضور والغياب
رئاسة الجلسة : أ.م.د. هديل سعدي موسى
تهدف الندوة الى تسليط الضوء على دور الذات والذكاء الذاتي في مقاييس الذكاء الاصطناعي ومدى حضور وغياب الذات في هذا المجال.
تحاور الاساتذة الافاضل :
المشاركة الاولى : أ.د. علي عبد الهادي المرهج بعنوان :(مركزية الإنسان والذكاء الاصطناعي بين الحضور والغياب) الجامعة المستنصرية كلية الاداب قسم الفلسفة
تناول الباحث ان ما شهدته الراهنية المعمارية للفكر الإنساني من تحولات جذرية بظهور الذكاء الاصطناعي كفاعل تكنولوجي ومعرفي ينازع الإنسان احتكاره التقليدي للوعي والإبداع والقرار. تطرح هذه الورقة تساؤلاً إشكالياً حول مصير "مركزية الإنسان" (Anthropocentrism) في ظل صعود المنظومات الخوارزمية، متخذة من ثنائية "الحضور والغياب" إطاراً تحليلياً. تهدف الورقة إلى تفكيك طبيعة التواجد البشري في العصر الرقمي، مبينةً أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل بالضرورة إعلاناً لغياب الإنسان المادي، بل يثير أزمة أعمق تتعلق بـ "غياب المعنى والجوهر" مقابل "حضور الصنعة والوظيفة"، مما يتطلب إعادة صياغة فلسفية لمفهوم الكينونة البشرية.
وجاء في كلمات مفتاحية الندوة : في مركزية الإنسان، الذكاء الاصطناعي، الحضور والغياب، الوعي الرقمي، الفلسفة المعاصرة.
منذ الكوجيتو الديكارتي (أنا أفكّر إذن أنا موجود)، استندت مركزية الإنسان في الكون إلى احتكاره المطلق للوعي، والقدرة على التأويل، وصنع المعنى. غير أن الثورة الرقمية المعاصرة المتمثلة في أنظمة الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق، لم تعد تقتصر على كونها أدوات تقنية صماء، بل تجاوزتها لتصبح شبكات قادرة على المحاكاة، التوليد، واتخاذ القرار. هذا التحول وضع الفلسفة أمام إشكالية مركزية كبرى: أين يتقاطع حضور الذات البشرية مع غيابها المتسارع لصالح الآلة الذكية؟ وهل نحن أمام أزمة تهدد الوجود الإنساني أم أمام مخاض لوعي إنساني جديد؟
وناقشت ورقة د. علي المرهج أزمة المركزية البشرية في مواجهة الخوارزميات أذ شكلت النزعة الإنسانية (Humanism) عبر التاريخ حصناً منيعاً يؤكد أن الإنسان هو الغاية والوسيلة في آن واحد. بيد أن الذكاء الاصطناعي يعيد هندسة هذا التموضع عبر تقويض ما يُعرف بـ "الاستثنائية البشرية" (Human Exceptionalism).
• حضور الوظيفة: مقابل غياب الجوهر: حين تستطيع الخوارزميات كتابة النصوص، وتحليل الأنماط الجينية، وتشخيص الأمراض بدقة تفوق الكفاءة البشرية، فإن الجانب الوظيفي للإنسان يتعرض للتهميش. هذا التراجع الوظيفي ينذر بـ "غياب أنطولوجي" تدريجي، يتحول فيه الإنسان من صانع للقرار إلى مجرد مستهلك لنتائج الآلة.
• الوعي المصطنع: إن قدرة الآلة على إظهار مشاعر زائفة أو استجابات تعاطفية تولد التباساً في مفهوم "الحضور". فالإنسان لم يعد الكائن الوحيد القادر على التفاعل الوجداني المحاكاة، مما يضعنا أمام مرآة خادعة تعكس صورة الإنسان ولكن بلا روح.
• ثنائية الحضور والغياب: قراءة في تجليات العلاقة
يمكن مقاربة إشكالية الحضور والغياب بين الإنسان والذكاء الاصطناعي عبر ثلاثة مستويات رئيسية:
أ. حضور الجسد وغياب الإرادة (تسليع الذات)
على الرغم من أن الإنسان حاضر جسدياً في الفضاء الرقمي عبر بياناته وتفاعلاته المستمرة، إلا أن إرادته الحرة تبدو في حالة "غياب ممنهج". فالخوارزميات التنبؤية توجه خياراتنا الاستهلاكية، وثقافتنا، وحتى توجهاتنا العاطفية والفكرية. هنا يتحول الإنسان من فاعل مريد إلى موضوع خاضع لتوجهات البرمجيات، وكأن الحضور المادي للجسد غطاء لغياب الاستقلالية الباطنية.
ب. حضور الذاكرة الرقمية وغياب الفناء الطبيعي
يُعد الموت والنسيان جزءاً جوهرياً من الشرط البشري وتشكيل الهوية. لكن تقنيات الذكاء الاصطناعي المعاصرة (كاستنساخ الشخصيات الرقمية والأرشيف الحي) تكرس نموذجاً مرعباً للخلود الرقمي. هذا الحضور المطلق للذاكرة الرقمية يفقد الإنسان "نعمة الغياب الطبيعي"، ويجعله أسيراً لماضِ ُخلِّد برمجياً، مما يلغي ديناميكية التطور البشري القائمة على التحول والنسيان.
ج. غياب المسؤولية وحضور الكفاءة الآلية
حين تُفوض القرارات المصيرية (في مجالات العدالة، والحروب، والاقتصاد) للأنظمة الذكية، يبرز فراغ أخلاقي عميق. الكفاءة العالية للذكاء الاصطناعي تحضر بقوة، بينما يغيب "الضمير البشري" ومسؤولية القرار. هذا الفصل بين الفعل والمسؤولية يعيد تعريف الكائن البشري كحلقة ضعيفة في منظومة لا أخلاقية
المشاركة الثانية : أ.د. باسم علي خريسان جامعة بغداد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بعنوان: ( الذكاء الاصطناعي والانسان : من محاكاة الذكاء الى أعادة تشكيل الانسان)
تطرق الباحث في ورقته البحثية الى عدة محاور منها :
المحور الأول: أزمة الوعي والجوهر (غياب الروح أم حضور الصنعة؟)
* الوعي المصطنع: إذا وصل الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة يحاكي فيها المشاعر والقرارات بدقة مذهلة تجعلنا نعجز عن التمييز بينه وبين الإنسان، فهل نحن أمام "حضور" حقيقي لوعي جديد، أم أننا نعبد صنمًا خوارزميًا يكرس "غياب" المعنى الإنساني الحقيقي؟
* الأصالة والتكرار: الذكاء الاصطناعي يبتكر الإبداع عبر استدعاء وإعادة تدوير تراكمات الذاكرة البشرية. هل نعدّ هذا الإبداع حضورًا للآلة، أم أنه مجرد صدى صوت بشري يعلن عن غياب المبدع الأصلي؟
* موت الفلسفة الذاتية: طالما أن الآلة قادرة اليوم على الإجابة عن أعقد المعضلات الفلسفية وتحليل النصوص بمجرد الضغط على زر، فهل يفقد الإنسان مكانته كـ "كائن مفكر"، ليتحول الفكر إلى مجرد خدمة رقمية حاضرة في كل مكان وغائبة عن جوهر الوجدان؟
المحور الثاني: مرآة الهوية وتشويه الانعكاس (هل تفقد الذات ملامحها؟)
* المرآة الخادعة: هل يُعد الذكاء الاصطناعي مرآة صادقة تعكس عمق الذات البشرية وعيوبها، أم أنه مرآة محدبة تشوهنا وتجعلنا نلهث خلف نموذج مثالي مزيف، مما يؤدي إلى "غياب" التلقائية والعفوية البشرية؟
* تسليع الإنسان: حين تخطط الخوارزميات حياتنا اليومية، وخياراتنا العاطفية، وحتى أسلوب تفكيرنا، أين تختبئ "الذات الحرة"؟ ألا نتحول تدريجياً إلى كائنات حاضرة بأجسادها وغائبة بإرادتها المستقلة؟
* الشعور بالوحدة وسط الوفرة : على الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يمنحنا حضوراً تفاعلياً مستمراً على مدار الساعة، لماذا يشعر الإنسان المعاصر بعزلة وجودية أعمق؟ هل لأن هذا الحضور الاصطناعي يفضح عمق "الغياب البشري" الحقيقي عن حياتنا؟
المحور الثالث: الذاكرة والخلود (حضور الرقم وغياب الفناء الطبيعي)
* وهم الخلود الرقمي: مع تقنيات استنساخ الشخصيات الرقمية بعد الموت بناءً على الأرشيف الإلكتروني، هل يمثل هذا الأمر "حضوراً" دائمًا للإنسان أم أنه شكل مرعب من أشكال "الغياب المقنع" الذي يسلبنا الحق في الموت والغياب الطبيعي؟
* عبء الذاكرة المطلقة: الذكاء الاصطناعي يتذكر كل شيء بدقة باردة، بينما تُبنى الذات البشرية على نعمة النسيان والغفران وتجاوز الأخطاء. هل يحررنا الغياب البشري للذاكرة المطلقة من ثقل الماضي، أم يهدد استقرار هويتنا ؟
المحور الرابع: أخلاقيات المسؤولية (من يتحمل وزر الوجود؟)
* محور المسؤولية: عندما يتخذ الذكاء الاصطناعي قرارات مصيرية نيابة عن البشر (في العدالة، الطب، أو الحروب)، أين يكمن الضمير الأخلاقي؟ ألا يعني تفويض القرار للآلة إعلاناً رسمياً عن "غياب المسؤول" البشري وتحويل الإنسان إلى مجرد منفذ لأوامر خوارزمية؟
* مستقبل المعنى: إذا أصبحت الآلة قادرة على فعل كل ما فعله الإنسان (بل وبشكل أفضل)، فما هو المبرر الفلسفي لوجودنا؟ هل نحن أمام فجر جديد للذات البشرية تجد فيه حريتها الحقيقية، أم أننا نشهد الإعلان البطئ عن "غياب الإنسان" لصالح الآلة المتفوقة؟
الخاتمة وخلاصات تحليلية
تخلص الندوة إلى أن إشكالية الحضور والغياب في علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي ليست صراعاً حتمياً بالضرورة على البقاء المادي، بقدر ما هي أزمة معنى. إن خطر الذكاء الاصطناعي لا يكمن فقط في تفوقه العملياتي، بل في قدرته على جعل الإنسان يغيب عن ذاته بينما يظن أنه في ذروة حضوره التكنولوجي.
وعليه، فإن تجاوز هذه الإشكالية يتطلب نقداً فلسفياً صارماً يتجاوز النزعة الاستسهالية التقنية، ويعيد الاعتبار للأبعاد التي تعجز الآلة عن مقاربتها: الوعي الحر، العفوية، المعاناة الإنسانية الخالقة للمعنى، وقدرة الإنسان وحده على تحمل وزر الوجود والمسؤولية الأخلاقية.
التوصيات: توصلت الندوة الى التوصيات الاتية
1. إرساء "السيادة الإنسانية" في اتخاذ القرار.
التوصية: تجنب التفويض المطلق للقرارات المصيرية (سواء في العمل، البحث الأكاديمي، أو الحياة اليومية) للخوارزميات.
التطبيق: استخدم الذكاء الاصطناعي كأداة استشارية لتحليل البيانات وتوليد الأفكار، واحتفظ دائماً بحق "الكلمة الأخيرة" والمسؤولية الأخلاقية لنفسك لضمان حضور الإرادة البشرية الحرة.
2. حماية الوعي النقدي والإبداع الأصلي
التوصية: مقاومة النمطية الفكرية التي تفرضها محركات التوصية والأنظمة الذكية.
التطبيق: تخصيص وقفات دورية للتفكير بمعزل عن الشاشات، وتطوير مهارات النقد الذاتي، والاعتماد على التجربة الشخصية والحدس البشري في صياغة الأفكار بدل الاكتفاء بالتدوير التكنولوجي للمعلومات.
3. ترسيم حدود واضحة للعلاقة مع الآلة (الجانب الوجداني)
التوصية: الحذر من الوقوع في فخ "الأنسنة الزائفة" لروبوتات المحادثة والأنظمة التفاعلية.
التطبيق: تذكر دائماً أن التفاعل الوجداني مع الآلة هو "محاكاة صماء" خالية من الروح، والحفاظ على أولوية التواصل الإنساني الحقيقي في العلاقات الاجتماعية والنفسية لتجنب الوحدة الوجودية.
4. تبني "الأمن الرقمي للذاكرة"
التوصية: إعادة القيمة للنسيان والتحول كجزء طبيعي من الهوية البشرية.
التطبيق: عدم الرهان على الأرشيف الرقمي المطلق أو تقنيات الخلود الاصطناعي، ومنح النفس مساحة للتعلم من الأخطاء وتجاوز الماضي بدلاً من توثيقه وتخليده برمجياً بشكل يعيق التطور الذاتي.
5. توجيه البحث الأكاديمي نحو "أنسنة التكنولوجيا"
التوصية: تحويل التركيز في الدراسات المستقبلية من مجرد التطوير التقني إلى البعد الأخلاقي والفلسفي.
التطبيق: تشجيع الأبحاث والمقالات التي تضع الأطر الأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وتضمن بقاء الإنسان محوراً للعملية التنموية والمعرفية.




