التنوير والوسطية عند الشيخ الدكتور الوائلي
التنوير والوسطية عند الشيخ الدكتور الوائلي
أقام بيت الحكمة قسم الدراسات الفلسفية ضمن جدول منهاج خطة القسم العلمية ندوة بعنوان (التنوير والوسطية عند الشيخ الدكتور الوائلي ) في بيت الحكمة يوم الاثنين 31/آب/ 2026 ترأس الجلسة : أ.د. احسان الحيدري/جامعة بغداد/ كلية الآداب/ قسم الفلسفة وقررت النشاط : م.د رواء راضي محمد/ الجامعة المستنصرية/ كلية الآداب/ قسم الفلسفة
الهدف من إقامة النشاط :
ضمن خطة القسم العلمية التطرق إلى شخصية مفكرة عراقية لها دور ريادي وقيادي في معالجة مشكلات المجتمع العراقي وما يعانيه من مشكلات جاء النشاط لإعادة أحياء الخطاب الوسطي و الاعتدالي ، فكان اختيار القسم للمفكر العلامة أحمد الوائلي، الفكر الإسلامي؛ الخطاب الديني؛ الحوار، التعايش، نبذ التطرف، التجديد الديني، الأصالة والمعاصرة في أحياء المنهج الاعتدالي الوسطي الذي يعد منهجاً جوهرياً في مباحث الفلسفة ، و أعادة تشكّل الوعي، ولا سيما الوعي الديني، الوعي الفكري في المجتمع ، فما هو دور عميد المنبر الشيخ الدكتور أحمد الوائلي في حضور العقل التنويري في ربط التراث و الخطاب الديني التجديدي ، الإصلاحي في الواقع المعاصر؟
جاءت البحوث المشاركة :
المشاركة الاولى : أ.م د. وائل علي الطائي بعنوان :(الوسطية والاعتدال في فكر العلامة د.احمد الوائلي ) / رئيس مؤسسة الوائلي الفكرية.
تناولت الورقة البحثية مفهوم الوسطية والاعتدال في فكر العلامة الشيخ أحمد الوائلي، بوصفهما من المرتكزات الأساسية في مشروعه الفكري والإصلاحي، ودورهما في بناء خطاب ديني متوازن قادر على التعامل مع التحولات الفكرية والاجتماعية المعاصرة. وينطلق البحث من بيان مفهوم الوسطية والاعتدال وأصولهما في المنظور الإسلامي، ثم يتتبع تجلياتهما في خطاب الوائلي من خلال مواقفه من قضايا الدين والعقل، والتجديد، والتعدد، والحوار، ونبذ التعصب والغلو.
ويكشف البحث أن الوسطية عند الوائلي لم تكن مجرد موقف نظري أو شعار فكري، بل مثّلت منهجًا في فهم الدين وتقديمه للناس، يقوم على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، واحترام العقل إلى جانب النص، والانفتاح على الآخر مع المحافظة على الثوابت الدينية. كما اتسم خطابه برفض الإفراط والتفريط، ومواجهة النزعات المتطرفة التي تؤدي إلى الانغلاق الفكري وإقصاء المخالف، مؤكدًا أهمية الحوار والحجة العلمية في معالجة الاختلافات الفكرية والمذهبية.
ويخلص البحث إلى أن مشروع الوائلي أسهم في تقديم نموذج للخطاب الديني المعتدل الذي يستمد مرجعيته من الإسلام، وينفتح في الوقت نفسه على قضايا الإنسان والمجتمع، بما يجعل فكره قابلًا للاستثمار في بناء خطاب ديني معاصر يسهم في مواجهة التطرف والتعصب، وترسيخ ثقافة الاعتدال والتعايش والحوار.
المشاركة الثانية : أ. د عامر عبد زيد (تشكل الوعي الديني والفكري عند الشيخ احمدالوائلي) جامعة الكوفة/ كلية الآداب / قسم الفلسفة
يسعى هذا البحث إلى دراسة تشكّل الوعي الديني والفكري عند الشيخ أحمد الوائلي، والكشف عن المرتكزات العلمية والمعرفية والفكرية التي أسهمت في بناء شخصيته وتكوين مشروعه الفكري والدعوي. وتضمن البحث مقدمة تناولت مفهوم الوعي وأهميته في بناء الشخصية الدينية والفكرية، ومبحثًا أولًا تناول المرتكزات المعرفية والعلمية التي أسهمت في تشكيل وعي الوائلي، فيما تناول المبحث الثاني أبرز مظاهر الوعي الديني والفكري في خطابه، ولا سيما توظيف العقل، وإعادة قراءة التراث، وربط الفكر الديني بقضايا الواقع، في حين تطرق المبحث الثالث الى الأبعاد الإصلاحية والتجديدية لهذا الوعي وأثرها في بناء خطاب ديني قادر على الاستجابة لمتغيرات العصر.
ويكشف البحث أن الوائلي لم يتعامل مع الوعي الديني بوصفه حافظاً للمعارف والموروثات فحسب، وإنما نظر إليه باعتباره وعيًا متفاعلًا مع الإنسان والواقع، يقوم على الفهم والنقد والحوار وإعمال العقل. كما استطاع أن يوظف أدواته العلمية والثقافية في إعادة تقديم الخطاب الديني بصورة تجمع بين أصالة المرجعية الإسلامية ومتطلبات الحياة المعاصرة.
ويخلص البحث إلى أن تشكّل الوعي الديني والفكري عند الوائلي يمثل مشروعًا معرفيًا وإصلاحيًا متكاملًا، أسهم في الانتقال بالخطاب الديني من مجرد التلقي إلى الفهم الواعي والتفاعل مع قضايا المجتمع، وجعل من الوعي وسيلة لإعادة بناء العلاقة بين الدين والعقل والواقع.
يمثل الوعي الديني والفكري أحد المرتكزات الأساسية في بناء شخصية الإنسان وتحديد طبيعة علاقته بالدين والمجتمع والواقع، إذ لا تقتصر أهمية الوعي على امتلاك المعرفة، وإنما تتجلى في القدرة على فهمها واستيعاب دلالاتها وتوظيفها في التعامل مع التحولات والتحديات التي يفرضها الواقع. ومن هنا ارتبط تجديد الخطاب الديني بضرورة إعادة بناء الوعي على أسس تجمع بين سلامة الفهم الديني، وإعمال العقل، والانفتاح على قضايا الإنسان والمجتمع.
وفي هذا السياق يبرز الشيخ أحمد الوائلي بوصفه إحدى الشخصيات الفكرية والدينية التي تركت حضورًا واضحًا في مجال الخطاب الإسلامي المعاصر، إذ اتسم مشروعه بمحاولة تجاوز النمط التقليدي في عرض القضايا الدينية، والانتقال بها من إطار التلقي المجرد إلى مجال الفهم والتحليل والمناقشة. وقد انعكس ذلك في خطابه الذي سعى إلى مخاطبة العقل إلى جانب الوجدان، وربط المعرفة الدينية بالواقع، واستحضار الأسئلة التي يفرضها العصر على الفكر الديني.
وتنبع أهمية دراسة تشكّل الوعي الديني والفكري عند الوائلي من كون هذا التشكّل لم يكن نتاج عامل واحد، بل جاء نتيجة تفاعل جملة من المرتكزات العلمية والثقافية والمعرفية، إلى جانب وعيه بطبيعة الواقع الاجتماعي والفكري الذي تحرك فيه. ولذلك فإن الكشف عن هذه المرتكزات يساعد في فهم طبيعة مشروعه، ويفسر جانبًا مهمًا من قدرته على تقديم خطاب ديني يجمع بين المحافظة على الأصول والانفتاح على المتغيرات.
المشاركة الثالثة: أ.م.د ابو الهيجاء محمد رافع حمدان( الوسطية في الخطاب عند الشيخ الوائلي). جامعة الانبار/ كلية الآداب/ قسم التاريخ.
يسعى هذا البحث إلى دراسة الوسطية في خطاب العلامة الشيخ أحمد الوائلي، بوصفها مبدأً حاكمًا في مشروعه الفكري والإصلاحي، وليس مجرد موقف اعتدالي بين اتجاهات متعارضة. وينطلق البحث من قراءة الخطاب الوائلي بوصفه خطابًا سعى إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والدين في ضوء متطلبات الوعي المعاصر، من خلال الجمع بين قوة الانتماء إلى المرجعية الإسلامية والانفتاح على العقل والواقع، بما أسهم في تقديم خطاب ديني يتجاوز مظاهر الانغلاق والتشدد دون أن يفقد ثوابته الفكرية والعقدية.
ويركز البحث على الكيفية التي تجلت بها الوسطية في خطاب الوائلي من خلال معالجته للقضايا الدينية والفكرية والاجتماعية، ولا سيما في اعتماده الحوار والإقناع، ونبذ التعصب، واحترام الاختلاف، وربط المعرفة الدينية بالوعي الإنساني والاجتماعي. كما يتناول البحث أدوات الوائلي في بناء خطابه، إذ لم يقتصر على عرض الأحكام والمفاهيم الدينية، بل وظّف العقل واللغة والتاريخ والواقع الاجتماعي في إيصال الفكرة الدينية إلى المتلقي، الأمر الذي منح خطابه قدرة على التواصل مع شرائح متعددة من المجتمع.
ويكشف البحث أن وسطية الوائلي اتخذت بعدًا إصلاحيًا يتجاوز الاعتدال في الموقف إلى الاعتدال في التفكير والممارسة والخطاب؛ فهي وسطية تستند إلى التوازن بين الثابت والمتغير، وبين التراث والحاضر، وبين الانتماء والآخر، مما يجعلها مشروعًا لإعادة تشكيل الوعي الديني على أسس تقوم على الفهم والنقد والحوار. ويخلص البحث إلى أن تجربة الوائلي تقدم نموذجًا مهمًا للخطاب الديني القادر على مواجهة التطرف والانغلاق من جهة، ومعالجة مظاهر التفريط والاغتراب عن المرجعية الدينية من جهة أخرى، وأن قيمة خطابه الوسطي تكمن في قدرته على تحويل الاعتدال من مفهوم نظري إلى ممارسة خطابية وفكرية ذات أثر في بناء الوعي الديني والاجتماعي.
الكلمات المفتاحية: الوسطية، أحمد الوائلي، الخطاب الديني، الفكر الإصلاحي، الوعي الديني، الاعتدال، الحوار، التجديد.
المشاركة الرابعة: أ. م د هديل سعدي موسى ( حضور العقل عند الشيخ الدكتور احمد الوائلي: رؤية إصلاحية في بناء الخطاب الديني) الجامعة المستنصرية/ كلية الآداب / قسم الفلسفة.
تناولت الباحثة ما يُمثّل الخطاب الديني المعاصر من تحديات كبرى في كيفية الموازنة بين ثوابت النص الديني ومتغيرات العصر، وهنا تبرز الحاجة الماسة لاستنطاق تجارب الأعلام الذين استطاعوا أن يقودوا سفينة الفكر بوعي واقتدار. ويأتي في طليعة هؤلاء الأعلام الشيخ الدكتور أحمد الوائلي (1928 - 2003 م)، الذي لم يكن مجرد خطيب تقليدي، بل كان مفكراً مجدداً وأكاديمياً استطاع أن يؤسس لمنهجية عقليّة واعية في قراءة التراث والدين والحياة.
لقد شغل مفهوم "العقل" مساحة محورية في نتاج الوائلي الفكري والخطابي؛ إذ اعدَه الأداة الأساسية لتمييز الحقائق، والوسيلة الفاعلة لتحرير الإنسان من قيود الخرافة والجمود، ويهدف هذا البحث إلى تسليط الضوء على حضور هذا المفهوم وتجلياته عند الشيخ الوائلي عبر محاور منهجية دقيقة وهي:.
المحور الأول: العقل بوصفه مناط التكليف وأداة الفهم
انطلق الشيخ الوائلي في رؤيته للعقل من الإقرار بأنه الحجة الباطنة المقابلة للحجج الظاهرة من الأنبياء والمرسلين. وفي تأصيله لهذا المعنى، كان يؤكد دائماً على أن التشريعات الإلهية لم تكن اعتباطية، بل جاءت لتخاطب طاقات الإنسان الواعية.
وفي هذا السياق، يطرح الشيخ الوائلي الفرق بين ما يدخل تحت دائرة "الفلسفة والتعليل العقلي" وما يدخل تحت دائرة "التعبد المطلق"، مشيراً إلى أن العقل البشري، على جلالة قدره، يبقى محدوداً ومقيداً بزمانه ومكانه. وكثيراً ما كان يوضح هذا المعنى في طروحاته بالقول:
"عندنا بعض التكاليف الله كلفنا أن نشغل عقولنا بها، وبعض التكاليف الله كلفنا أن نجمد عقولنا بها لأن عقولنا ما تصل لكل شيء..."
وبهذا يضع الوائلي قاعدة عقلية رصينة تفيد بأن العقل يُدرك الكليات والمقاصد العامة للتشريع (مثل الحكمة من تحريم الربا المدمر لاقتصاديات البشر)، وفي الوقت ذاته يتوقف بوعي وتسليم عند التفاصيل التعبدية البحتة التي تفوق طاقة الإدراك البشري، داعياً العقل إلى الوقوف حيث انتهت طاقاته وعدم تجاوز حجمه الحقيقي.
المحور الثاني: البعد النقدي للعقل (مقاومة الخرافة والتقليد الأعمى)
لم يقتصر حضور العقل عند الوائلي على الجانب النظري، بل تجسد بوضوح في مشروعه التنويري الهادف إلى تنقية الفكر الديني والاجتماعي من الافكار الدخيلة والإسرائيليات التي لا تقبلها طبيعة العقل السليم.
• نقد الجمود الفكري: حذّر الوائلي بأسلوبه العلمي الرصين من خطورة تجميد الطاقات العقلية والارتماء في أحضان التقليد الأعمى للآباء والأجداد دون بصيرة أو برهان.
• التمييز بين الثابت والمتحول: دعا الشيخ إلى ضرورة استخدام المعيار العقلي للفرز بين الجوهر الديني الثابت وبين الموروث الاجتماعي البشري القابل للنقد والتعديل، معتبراً أن غياب العقل النقدي هو البوابَة الكبرى التي تتسلل من خلالها الخرافات إلى جسد الأمة.
المحور الثالث: عقلانية الخطاب الديني والتبليغي
انعكس حضور العقل بجلاء على طبيعة الخطاب الذي قدمه الدكتور الوائلي عبر المنبر الحسيني؛ فقد قاد ثورة بيضاء لتحويل المنبر من مجرد وسيلة لإثارة العواطف المجردة إلى "مدرسة فكرية وأكاديمية" تخاطب العقول والوجدان معاً.
• اعتماد البرهان والمنطق: تميز خطابه بالاستناد إلى الأدلة العقلية والتاريخية الموثقة، بعيداً عن أساليب التهريج أو استغلال عواطف الجمهور الساذجة.
• مخاطبة روح العصر: كان الوائلي يؤمن بأن الدين صالح لكل زمان ومكان، ولإثبات هذه الصلاحية لابد للخطاب الديني أن يُقدّم بلغة تتناسب مع تطلعات وعقول الأجيال المتعلمة والمثقفة، مما جعله قادراً على مخاطبة النخب وعامة الناس في آنٍ واحد.
المحور الرابع: العقل والحرية والمسؤولية الإنسانية
يربط الفكر الوائلي ربطاً وثيقاً بين استنهاض العقل وبين بلوغ الإنسان لحريته ومسؤوليته؛ فالتكليف والمسؤولية لا قيمة لها في ظل تغييب الوعي.
• حرية الاختيار: يرى الشيخ أن قيمة الإنسان تكمن في قدرته على الاختيار الواعي النابع من التدبر والتفكير، لا من خلال الإكراه أو التبعية العمياء.
• رفض التبعية الفكرية: طالما حثّ الوائلي في طروحاته على بناء الشخصية المستقلة القادرة على التمييز بين الحق والباطل، مستلهماً ذلك من المنهج القرآني الذي يدعو مراراً وتكراراً إلى التفكر والتدبر في عاقبة الأمم.
يتبين لنا ممّا سبق، أن حضور مفهوم العقل عند الشيخ الدكتور أحمد الوائلي لم يكن حضوراً شعاراتياً، بل كان منهج حياة ومشروعاً إصلاحياً متكاملاً. فقد استنبط الوائلي العقل ليجعله:
أداة لفهم النصوص واستجلاء مقاصد الشريعة.
درعاً واقياً لحماية الفكر الديني من الانحراف والخرافة والتخلف.
بوصلة لتطوير الخطاب الديني وجعله أكثر قدرة على تلبية الحاجات الفكرية والروحية للإنسان المعاصر.
وبذلك ترك لنا الوائلي إرثاً فكرياً خالداً يؤكد أن الأصالة الدينية لا تعادي العقل، بل إن العقل هو ركنها الشديد وبابها الأوسع للفهم واليقين.
المشاركة الخامسة: م.د محمد يونس علي (التنوير والوسطية في الخطاب الإسلامي المعاصر دراسة مقارنة بين الشيخ الدكتور احمد الوائلي والشيخ محمد الغزالي) محافظة بغداد /مديرية الشباب والرياضة/بغداد/ الرصافة.
وتمثل ملخص هذا البحث بما يأتي:
1- أن التنوير يؤدي في خطابهما وظيفة معرفية تسهم في تحرير الوعي من الفهم غير الممحص، بينما تمثل الوسطية ضابطا أخلاقيا ومنهجيا يحول دون تحول النقد إلى إقصاء، بما يكشف عن إمكان التقاء مسارين إصلاحيين، أحدهما سني والآخر شيعي، من دون إلغاء خصوصية أي منهما.
2- كلاهما جعل الخطاب الديني وسيلة لبناء الإنسان ومواجهة الجمود، غير أن الوائلي انطلق من مدرسة النجف والمنبر الحسيني بما يحمله من بعد تاريخي ووجداني، في حين تحرك الغزالي في فضاء الأزهر والكتاب الإصلاحي والمقالة والخطابة العامة، فبرز في كتاباته حضور أكثر مباشرة لقضايا الاستبداد والتعليم وإصلاح المؤسسات، ولا يلغي اختلاف البيئة وأداة التأثير وحدة الغاية، لكنه يفسر اختلاف ترتيب القضايا وطريقة بناء الحجة لدى كل منهما.
3- أثبت البحث أن تجديد الخطاب الديني في الواقع المعاصر لا يقتضي القطيعة مع الوحي، كما لا يتحقق بالاكتفاء بالتفسيرات الموروثة، بل يقوم على الجمع بين مرجعية النص وإعمال العقل في فهمه وتنزيل مقاصده على قضايا المجتمع. ويتيح هذا التصور تجاوز التعارض المصطنع بين الأصالة والمعاصرة، وبناء خطاب ديني قادر على التعامل مع التحولات العلمية والاجتماعية.
4- أظهر البحث أن منهج التثبت من المرويات، والرجوع إلى المصادر المعتمدة، وعدم نسبة رأي فرد إلى طائفة كاملة، لا يقتصر على دراسة التراث، بل يصلح لمواجهة الشائعات والمعلومات غير الموثقة وخطابات التحريض المذهبي المنتشرة في وسائل الإعلام والتواصل الحديثة؛ فالتثبت هنا يتحول من قاعدة تراثية إلى أداة لحماية السلم الاجتماعي.
5- كشفت المقارنة أن الوسطية ليست موقفا محايدا بين الآراء، وإنما منهج عملي لإدارة الاختلاف يقوم على التمييز بين الأصول والفروع، واحترام الاجتهاد المؤهل، والبحث عن المساحات المشتركة، ورفض الإقصاء والتعميم، ويمكن أن يشكل هذا المنهج أساسا للحوار السني- الشيعي ومعالجة النزاعات الفكرية والمذهبية من دون مطالبة أي طرف بالتخلي عن خصوصيته.
6- بيّن البحث أن فاعلية الخطاب الديني ترتبط بقدرته على تجاوز الوعظ المجرد والانفتاح على علوم الإنسان والمجتمع، وهو ما ظهر في دعوة الوائلي إلى إشراك أهل الاختصاص في فهم الموضوعات القرآنية، وفي ربط الغزالي الدين بقضايا العلم والتعليم والاستبداد والعمران، وتكشف هذه النتيجة حاجة المؤسسات والمنابر الدينية المعاصرة إلى خطاب متعدد المعارف، يتصل بمشكلات الإنسان الواقعية ولا يحصر الدين في الشعائر والجدل المذهبي.
التوصيات :
تستند التوصيات المستنبطة من منهج التنوير والوسطية عند عميد المنبر الحسيني، الشيخ الدكتور أحمد الوائلي، إلى رؤية إصلاحية شاملة تهدف إلى بناء خطاب ديني وإنساني معاصر يوازن بين ثوابت النص الديني ومتغيرات العصر. وقد تجلت هذه الرؤية بوضوح في الأبحاث والندوات العلمية (مثل تلك التي عقدها "بيت الحكمة" في بغداد) لتفكيك عناصر هذا الخطاب المعتدل. ويمكن تلخيص أبرز هذه التوصيات الفكرية والعملية في النقاط التالية:
1- عقلانية الخطاب الديني وتحويل المنبر إلى مدرسة فكرية: ضرورة الابتعاد عن إثارة العواطف المجردة والسطحية في الخطاب التبليغي، والتركيز بدلاً من ذلك على مخاطبة
2- مقاومة الخرافة والجمود الفكري (البُعد النقدي): تفعيل الدور النقدي للعقل لمقاومة الخرافات والتقاليد الموروثة التي لا تمت للدين بصلة. الهدف: التمييز الواعي بين "الثابت" العقائدي والشرعي، وبين "المتحول" المرتبط بظروف زمانية أو مجتمعية معينة، لضمان مرونة الفكر الإسلامي ونقائه.
3- إرساء "الوسطية الناصعة" والتعايش المشترك: تُبنى وسطية غير رمادية أو مشوشة، بل وسطية ناصعة البياض منفتحة تخاطب جميع الطوائف والعقائد باحترام متبادل. الهدف: تعزيز ثقافة المواطنة والتعايش السلمي والمداراة، ونبذ الطائفية والتطرف الفكري بأشكاله كافة.
4- إحياء الحاضنة العلمية والبحثية للأمة: العودة إلى شغف القراءة والبحث العلمي، واستعادة دور المؤسسات الدينية والمساجد لتكون مراكز لانطلاق المبتكرين والعلماء في شتى المجالات (الدينية والتطبيقية).الهدف: بناء جيل واعٍ متسلح بالعلم والمعرفة لنهضة الأمة وبناء مستقبلها.
5- إن تجربة الوائلي كشفت عن أهمية العقل في بناء الوعي الديني؛ فلم يكن العقل عنده منفصلًا عن النص الديني، بل أداة لفهمه والدفاع عن مضامينه ومناقشة الإشكالات التي تثار حوله. ومن هذا المنطلق اتجه خطابه إلى معالجة عدد من القضايا الفكرية والاجتماعية بلغة أقرب إلى المتلقي، مع الحرص على إبقاء الصلة قائمة بين الموروث الديني والأسئلة الجديدة التي يطرحها الواقع.
6- تكشف البحوث المشاركة الكيفية التي تشكّل بها الوعي الديني والفكري عند الشيخ أحمد الوائلي، والكشف عن أبرز مرتكزاته ومظاهره، وبيان أثره في صياغة مشروعه الإصلاحي والتجديدي، وصولًا إلى تحديد القيمة الفكرية لهذا المشروع وإمكان الإفادة منه في قراءة إشكالات الخطاب الديني المعاصر.

.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)

.jpg)


