مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

المهارات الرقمية والأمن السيبراني في ظل التخضير الرقمي والذكاء الاصطناعي

المهارات الرقمية والأمن السيبراني في ظل التخضير الرقمي والذكاء الاصطناعي

المهارات الرقمية والأمن السيبراني في ظل التخضير الرقمي والذكاء الاصطناعي


نظّم بيت الحكمة- مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار اليوم الاحد 30 آب 2026، ندوة علمية حملت عنوان (المهارات الرقمية والأمن السيبراني في ظل التخضير الرقمي والذكاء الاصطناعي) على قاعة الخوارزمي، حيث ترأس الجلسة الأستاذ الدكتور فيصل غازي محمد من كلية الذكاء الاصطناعي في جامعة بغداد، وقررتها الدكتورة زهراء خالد من الكلية ذاتها.
تناولت الندوة تقاطع ثلاث موجات كبرى يشهدها التحول الرقمي العالمي: التوسّع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتصاعد التهديدات السيبرانية، والتوجه نحو الاستدامة والتخضير الرقمي. وقد جُمعت هذه المحاور عبر أربع أوراق بحثية وعروض تخصصية تناولت حوكمة الذكاء الاصطناعي وعدالته الخوارزمية، والهوية الرقمية وعلاقتها بالأمن السيبراني والتحول الأخضر، وواقع ومستقبل الأمن السيبراني في العراق، والمهارات الرقمية الخضراء المطلوبة لمتخصصي الذكاء الاصطناعي.
يقدّم هذا التقرير عرضاً علمياً موجزاً لأبرز ما تناولته أوراق الندوة، مع إبراز الروابط المشتركة بينها، وصولاً إلى توصيات عامة يمكن الاستفادة منها في تطوير السياسات والبرامج ذات الصلة.
المحور الأول: حوكمة الذكاء الاصطناعي (د. مازن العقابي)
تناولت هذه الورقة حوكمة الذكاء الاصطناعي بوصفها الإطار الضامن لاستخدام هذه التقنية بطريقة آمنة ومسؤولة وأخلاقية، ضمن محورين رئيسين: حوكمة الذكاء الاصطناعي، والعدالة الرقمية.
المفاهيم والأطر العالمية


وتستند الحوكمة عالمياً إلى أطر معتمدة أبرزها: توصية اليونسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (2021) القائمة على الشفافية والعدالة والرقابة البشرية، وقانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي (EU AI Act) الذي يعتمد التقييم حسب مستوى الخطر، وإطار NIST AI RMF الأمريكي لإدارة المخاطر، إضافة إلى إطار الضبط الموحّد (UCF) المقترح حديثاً بـ42 ضابطاً تنظيمياً.


خطوات اعتماد الحوكمة والعدالة الرقمية في المؤسسات
● تقييم جاهزية الذكاء الاصطناعي وتحديد الفجوات في البنية التحتية والمهارات.
● صياغة سياسات داخلية وبناء هيكل مؤسسي متعدد التخصصات لتحديد المسؤوليات (من يقرّر، من يراقب، من يُحاسب).
● اختبار تجريبي (pilot) قبل التوسع، ومراقبة مستمرة بعد النشر لرصد الانحيازات والتوافق القانوني.
● تحليل الفوارق الرقمية المحلية وتضمين العدالة في تصميم الأنظمة منذ البداية، مع اعتماد أدوات كشف التحيّز مثل SHAP وLIME.
● التوعية وبناء القدرات، ومراجعة السياسات دورياً وفق التطورات التقنية والقانونية.
المحور الثاني: الهوية الرقمية والأمن السيبراني — ركيزتان أساسيتان للتحوّل الرقمي الأخضر
تناولت هذه الورقة، التي أعدها م. م. حسام خليل خضير، العلاقة التكاملية بين الهوية الرقمية والأمن السيبراني بوصفهما ركيزتين أساسيتين لا غنى عنهما لتحقيق تحوّل رقمي أخضر موثوق وآمن ومستدام، وذلك عبر أربعة محاور فرعية: المفاهيم المترابطة، الهوية الرقمية ونماذجها، الأمن والأثر البيئي، ورقابة الجيل الناشئ.
1. مفهوم الهوية الرقمية وأشكالها
الهوية الرقمية هي مجموعة من البيانات والخصائص الإلكترونية التي تمكّن الفرد أو الجهة من إثبات هويتها والوصول إلى الخدمات الحكومية والمصرفية والتجارية عبر الإنترنت، دون الحاجة إلى مستندات ورقية. وتتخذ الهوية الرقمية أربعة أشكال رئيسية:
● بطاقة الهوية الإلكترونية: شريحة مدمجة تخزّن بيانات التحقق، على غرار النموذج الأوروبي والألماني.
● المحفظة الرقمية: تطبيق على الهاتف يحفظ بيانات الهوية والوثائق الرسمية.
● التحقق البيومتري: بصمة الإصبع أو الوجه أو القزحية للتحقق من الهوية.
● السجلات الموثوقة: قواعد بيانات مركزية أو موزَّعة (بلوك تشين) تربط الهوية بالخدمات.
2. آليات تنفيذ أنظمة الهوية الرقمية



3. نماذج عالمية رائدة




4. دراسة حالة: محفظة الهوية الرقمية الأوروبية (EUDI Wallet)




يقوم النموذج الأوروبي على مبدأ "الإفصاح الانتقائي"، إذ يمكن للمستخدم إثبات معلومة واحدة فقط (كتجاوز سن معينة) دون كشف باقي بيانات هويته، وهو ما يوفّر نموذجاً عملياً للتحقق من أعمار مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي دون المساس بخصوصيتهم. وتشير الورقة إلى أن قيمة أي محفظة رقمية تعتمد على تبنّي الجهات الخدمية لها وانتشارها بين المستخدمين معاً — وهو ما تصفه الورقة بـ"مشكلة البيضة والدجاجة" كتحدٍ أساسي أمام هذا النموذج.
5 .القيود العمرية على وسائل التواصل الاجتماعي
رصدت الورقة توجهاً عالمياً متصاعداً نحو تقييد استخدام القاصرين لوسائل التواصل الاجتماعي حسب العمر، إذ حدّدت عدة دول حداً أدنى للسن يتراوح بين 14 و16 عاماً:




كما تدرس بريطانيا وبولندا حالياً فرض حظر مماثل على غرار النموذج الأسترالي، فيما تسمح إيطاليا وألمانيا للقاصرين بالاشتراك بموافقة الوالدين بدلاً من الحظر الكامل. وتعتمد آلية التحقق المشتركة بين المنصات على وسائل تحقق متعددة (التعرّف على الوجه، مستندات رسمية) بدلاً من الاكتفاء بإقرار العمر الذاتي — وهنا يبرز دور نموذج "الإفصاح الانتقائي" في الهوية الرقمية كحل متوازن بين الرقابة وحماية الخصوصية.
أسباب فرض القيود العمرية
● الصحة النفسية: دراسات تربط الاستخدام المفرط بزيادة القلق والاكتئاب وصورة الجسد السلبية لدى المراهقين.
● التنمّر الإلكتروني: تعرّض القاصرين للتنمّر والمضايقة عبر المنصات دون رقابة كافية.
● الاستغلال والاحتيال: استهداف القاصرين بالاحتيال المالي ومحاولات الاستغلال والابتزاز.
● التصميم الإدماني: خوارزميات التغذية المستمرة والتمرير اللانهائي المصمَّمة لإطالة وقت الاستخدام.
تحديات التنفيذ
● الخصوصية وحماية البيانات: تركّز بيانات حساسة (بيومترية وشخصية) في قواعد بيانات مركزية يرفع من حجم الضرر عند أي اختراق.
● الفجوة الرقمية: فئات من كبار السن أو سكان المناطق النائية قد تجد صعوبة في الوصول إلى الأدوات الرقمية أو استخدامها.
● صعوبة إنفاذ حظر القاصرين: إمكانية تحايل القاصرين عبر بيانات مزيّفة أو شبكات افتراضية خاصة تُضعف فعالية الحظر.
● التوافق التشريعي الدولي: تفاوت الأعمار والمعايير بين الدول (14–16 سنة) يعقّد الامتثال على المنصات العالمية.
7. التحوّل الأخضر: إعادة تشكيل الأنشطة الاقتصادية لبصمة بيئية أقل
يجمع التحوّل الأخضر بين ممارسات الاستدامة البيئية وأدوات التحوّل الرقمي عبر أربعة محاور: الطاقة النظيفة والكفاءة (الاعتماد على مصادر متجددة وخفض استهلاك الطاقة في مراكز البيانات)، والخدمات اللاورقية (تقليل الاعتماد على الورق عبر الهوية الرقمية)، والاقتصاد الدائري الرقمي (تدوير الأجهزة الإلكترونية وإطالة عمرها الافتراضي)، وقياس الأثر بالبيانات (استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد الانبعاثات).



المحور الثالث: مستقبل الأمن السيبراني في العراق
استعرض هذا المحور دور المركز الوطني للأمن السيبراني بوصفه الذراع الوطني الرسمي التابع لمكتب رئيس الوزراء، والمسؤول عن وضع السياسات والمعايير السيبرانية وتوحيد الإجراءات، بما يشمل تقييم الجاهزية الأمنية، والمراقبة المستمرة على مدار الساعة، والاستجابة للحوادث، والاختبارات الأمنية، ودعم الامتثال، وبناء القدرات.
أبرز النجاحات
● إطلاق منصة "راصد" (RACID) الوطنية لربط الجهات الحكومية والقطاعات الحيوية.
● خفض نشاط شبكات البوت نت بنسبة 26.7% مقارنة بالعام السابق عبر منصات رصد التهديدات.
● تعزيز قدرة المؤسسات على مواجهة هجمات الفدية بالتعاون مع المركز الوطني للتحول الرقمي.


المبادرات القادمة



كما يتولى المركز إنشاء وتشغيل المنظومة الوطنية لمراكز العمليات الأمنية (SOC) وربطها بالمؤسسات الحكومية والخاصة، وإبرام اتفاقيات تعاون سيبراني محلياً ودولياً. وتقوم رؤيته المستقبلية على الانتقال من رد الفعل إلى أمن سيبراني استباقي للقطاع العام، وفتح قنوات تعاون مع الشركات التقنية والمصارف ودعم الابتكار في القطاع الخاص.
المحور الرابع: المهارات الرقمية الخضراء لمتخصصي الذكاء الاصطناعي
انطلقت شراكة التعليم الأخضر التابعة لليونسكو في سبتمبر 2022 بهدف تحقيق التحول في المدارس والمناهج والمجتمعات لمواجهة أزمة المناخ، وتستهدف وصول 50% على الأقل من المدارس والجامعات إلى صفة "مدارس خضراء" بحلول عام 2030. وتُعرَّف المهارات الخضراء بأنها المعارف التي تمكّن الأفراد والمؤسسات من تقليل الأثر البيئي ودعم التحوّل نحو اقتصاد منخفض الكربون ودائري.

فجوة العرض والطلب عالمياً (2021–2025)



تتسع الفجوة بين الطلب المتسارع والعرض المحدود، ما يمنح العاملين ذوي المهارات الخضراء ميزة تنافسية؛ إذ يُوظَّفون بمعدل أعلى بنسبة 46.6% مقارنة بالمتوسط العالمي.
الركائز الخمس لمتخصصي الذكاء الاصطناعي الأخضر
● كفاءة العمليات: تحليل البيانات لتحسين استهلاك الموارد في الوقت الفعلي.
● تحسين العمليات وإطالة عمر المعدات عبر الصيانة التنبؤية.
● إدارة دورة حياة المنتجات (LCA) واختيار مواد أكثر استدامة.
● سلاسل الإمداد المتكاملة: تتبع البصمة الكربونية وتقييم الموردين وفق معايير ESG.
وتتركز المواهب الخضراء في قطاعات المرافق والطاقة (29.6%) والنفط والغاز (14.8%) والبناء (10.7%)، فيما تتصدر إدارة الطاقة (98%+) والتعليم في الاستدامة (91%+) قائمة أسرع المهارات نمواً. وتوصي الورقة بإدراج "الكفاءة الخضراء" شرطاً في الأدوار التقنية العليا، والاستثمار في إعادة تأهيل الكوادر الحالية داخلياً، ومواءمة استراتيجية التوظيف مع أهداف الاستدامة.
التكامل بين محاور الندوة والتوصيات العامة
تلتقي محاور الندوة الأربعة حول هدف جامع هو بناء منظومة رقمية موثوقة وآمنة ومستدامة: فحوكمة الذكاء الاصطناعي (الشفافية والمساءلة) والهوية الرقمية (الموثوقية) والأمن السيبراني (الحماية) تشترك في هدف الثقة الرقمية، ويمثّل المركز الوطني للأمن السيبراني في العراق الذراع التنفيذية القادرة على تطبيق هذه المبادئ ضمن سياسات وطنية ملموسة، فيما يشكّل التحوّل نحو خدمات لاورقية منخفضة الانبعاثات القاسم المشترك بين الهوية الرقمية والمهارات الخضراء وحوكمة الذكاء الاصطناعي.
التوصيات العامة
1. اعتماد نموذج "الإفصاح الانتقائي" لحماية الخصوصية عند التحقق من الهوية أو العمر
2. دمج معايير الأمن السيبراني (تشفير، مصادقة متعددة العوامل) كشرط أساسي عند تصميم أي نظام هوية رقمية
3. اعتماد نظام هوية رقمية وطنية موحّدة مرتبطة بسجل السكان، وفق خطة تنفيذ مرحلية واضحة
4. سنّ إطار قانوني وطني ينظّم جمع البيانات الشخصية والبيومترية وحمايتها ومعالجتها
5. إنشاء جهة وطنية معنية بإدارة الهوية الرقمية بالتنسيق المباشر مع المركز الوطني للأمن السيبراني
6. تطبيق التحقق البيومتري متعدد العوامل تدريجياً في الخدمات الحكومية والمصرفية الحساسة
7. توحيد الحد الأدنى لسن استخدام التواصل الاجتماعي
8. ربط التحوّل نحو الخدمات اللاورقية بمؤشرات قياس الأثر البيئي
9. بناء القدرات الوطنية عبر برامج تدريبية متخصصة لتأهيل كوادر إدارة الهوية الرقمية
10. إطلاق حملات توعية رقمية موازية للتشريعات
11. تحديد اجراءات استخدامات ادوات الذكاء الاصطناعي للبيانات الحساسة لموظفي الدولة او بحث استخدام نموذج ذكاء اصطناعي offline
الخاتمة
تؤكد أوراق الندوة أن التحوّل الرقمي الأخضر لا يتحقق إلا بثلاثة أسس متلازمة: حوكمة رشيدة للذكاء الاصطناعي، وهوية رقمية موثوقة يحميها أمن سيبراني متين، وكوادر بشرية تمتلك المهارات الرقمية والخضراء اللازمة. وتمثّل جهود المركز الوطني للأمن السيبراني في العراق نموذجاً وطنياً واعداً يمكن البناء عليه لتحقيق هذا التكامل.
المصادر
● ¬مازن العقابي — كتاب "الحوكمة الإلكترونية وإدارة الدولة"، بغداد، 2020.
● د. عامر سليم الامير - شراكة التعليم الأخضر — اليونسكو (Greening Education Partnership – UNESCO).
● الاستاذ علي حسين - المركز الوطني للأمن السيبراني في العراق عرض "مستقبل الأمن السيبراني في العراق"، info@ncc.gov.iq.
● حسام خليل خضير — ورقة "الهوية الرقمية والأمن السيبراني: ركيزتان أساسيتان للتحول الرقمي الأخضر".

أخبار ذات صلة