قراءات معاصرة للنصوص الدينية
قراءات معاصرة للنصوص الدينية
اقام قسم دراسات الأديان بالتعاون مع جامعة الامام جعفر الصادق(ع) ورشة العمل المعنونة (قراءات معاصرة للنصوص الدينية) التي عقدت يوم الثلاثاء الموافق 24/12/2019 في جامعة الامام جعفر الصادق(ع) في تمام الساعة التاسعة والنصف صباحاً .
الباحثون المشاركون :-
رئيس الجلسة:- ا.د. كريم عبيد الوائلي / رئيس قسم علوم القرآن في جامعة الأمام جعفر الصادق
مقررة الورشة :- أ.م.د. رغد عبد النبي جعفر / مديرية تربية الكرخ الأولى
1- سماحة السيد حسين بركة الشامي - ببحثه المعنون ( قراءة المفسرين للنص الديني )
2- أ.متمرس .د. عبد الأمير كاظم زاهد - ببحثه المعنون ( قراءة الناءيني للنصوص الدينية بشأن الدولة )
3- أ.م.د.حيدر حسن ديوان الاسدي - ببحثه المعنون (المنهج والفاعلية في القراءة المعاصرة للنص الديني الفقهي - مقاربة نقدية )
4- م.د. فارس فضيل - ببحثه المعنون (النص الديني وآليات القراءة المعاصرة )
6- د.مصطفى عبد الحسن - ببحثه المعنون(قراءة معاصرة في الفكر الاقتصادي لبعض النصوص النبوية)
7- م.م. علي عبد قاسم - ببحثه المعنون ( رؤى إصلاحية في نهج البلاغة ، الحقوق السياسية إنموذجاً)
8- م.م علي صاحب مياح - ببحثه المعنون ( منظور الإرهاب في القرآن الكريم قراءة معاصرة )
افتتحت أعمال الورشة بتلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم تلتها كلمة الدكتور كريم عبيد الوائلي رئيس الجلسة مرحباً بالضيوف والاساتذة الافاضل ، ومستدرجاً أن هذه الورشة تقتضي منا التأمل الوقوف محاولين فيها التحدث عن المعطيات التي احسب لها من الأهمية بمكان ،
فالقراءة لا تعني اننا نتحدث عن الوحدات الصوتية بحسب جهاز النطق وهذا امر عادي، بل يقصد بالقراءة هو الفهم ، ومن ثم هناك ثلاثة آركان لابد من توافرها معاً وهي :
أ - القارئ .
ب – المقروء.
ج - محصلة القراءة .
فالقارئ ليس شخصيةً يحمل صفحةً بيضاء فقط بل هو مسلح برؤيةٍ وفكر وربما بموقف أيدولوجيٍ .
والمقروء على الرغم من ان له وجوداً موضوعياً مستقلاً عن الذات فانه ليس كتلةً هامدة ابداً وحين ويتم التفاعل بين القارئ - بما يحمله من سمات وخصائص - والنص فانه يحصل حوار وجدل ونقاش بناء فيتولد من هذا التفاعل محصلة القراءة .
ووضح الوائلي ، كما ان للقارئ وجوده الموضوعي المستقل وله قدراته وموقفه المسلح برؤى ومواقف ايدلوجيا كذلك النص الذي يتناول له سياقات وتشتمل على روئ ومضامين مختلفة.
ولا يخفي على القارئ والمقروء أن هناك قراءات متعددة سلبية وهي على نمطين – الأول متلقي تلقي سلبي بمعنى انه مراقب كسول للنص الذي يقرأه ومن ثم يهيمن النص على القارئ ويعاد انتاجه على السابق .
والثانية قراءة سلبية تفرض رؤى وافكاراً مختلفة فنتلقى نصاً مشوهاً وغريب وهذا نشاهده في وقتنا بقصد أو غير قصد وتهيمن على الكثير من حياتنا .
واستكمل الوائلي كلمته بالقول : ان القراءة الفعالة هي التي نتبناها اليوم من قبل الباحثين والأساتذة والمفكرين وهذا ما الاساتذة المشاركون ببحوثهم .
- بحث سماحة السيد حسين بركة الشامي المعنون (قراءة المفسرين للنص الديني) اذ اتخذ الباحث من قصة النبي يوسف محاولة لفهم النص وقراءة أخرى إذ قصة يوسف تعد واحدة من اشهر القصص في القرآن الكريم ، فقد جاءت بنص بلاغي في غاية الروعة والابداع والتشويق ، وهذا ما حفز الادباء والباحثين والمفسرين على الكتابة عن قصة يوسف وبيان جوانبها وخصائصها الأدبية ، وتفردها في سرد الاحداث التي ضمتها تجربة نبي الله يوسف .
موضحاً ان اكثر المقاطع شيوعاً هو المقطع المتعلق بحادثة القميص الذي تحدثت عنه الآية الكريمة { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } سورة يوسف /الآية 23 ، هذا المقطع الزمني من قصة يوسف هو الأكثر شهرة بين الناس ،لكثرة ما تداولته الأجيال ، لما فيه من ارتباط مباشر مع الحاجة الجسدية وقد كان لهذا الانتشار الواسع لهذه الواقعة ، إنها غلبت على القصة في الوجدان الشعبي والاجتماعي ، فترى ابسط الناس وحتى الأميين منهم يعرفون هذا المقطع.
لقد فوتت هذه المعرفة المسبقة عن الواقعة ، التمعن في جمالية الصورة القرآنية ،وابداعها الرائع في عرض القصة، وهو الامر الذي غاب عن قسم من المفسرين ،فضاعت عليهم النقلة الإبداعية الاعجازية في تطور الاحداث .
ان روعة البلاغة وجمالية الصورة ، يمكن ان يستشعرها القارئ للنص القرآني ، الذي يتعامل مع سياق القصة وكأنه يقرأها لأول مرة ، فلو استطاع القارئ أن يعيش هذه الحالة ويحذف من ذهنه ما يعرفه مسبقاً ،لعاش لحظة صدمة لذيذة فيما يقرأه من هذا الانتقال الجميل والمفاجئ في عرض القصة ، من حالة الاطمئنان والراحة والنعمة الإلهية على يوسف بالشباب والعلم والحكمة ، إلى لحظة الامتحان العسير في أشد قضية يواجهها الشاب .
ان هذا الانتقال المفاجئ في تصوير حالة يوسف (ع) من الشخص الذي امتلك الحكمة ورجاحة العقل والمعرفة ، إلى الشخص الذي يواجه الاغراء في أجواء سهلة جاهزة، إنما القصد منه وضع الجانب العقلي في اختبار حقيقي أمام الجانب الجسدي ،إنها معركة العقل والضمير في تحدي نزوة الجسد لقيم الروح .
قال تعالى { ... قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} سورة يوسف الآية 23
لقد استعاذ بالله على ارتكاب المعصية ، واستعان به لكي يتقوى على مواجهة الخطيئة ، ويتجاوز هذا البلاء العظيم .
وذهب معظم المفسرين إلى ان المقصود من قوله : { إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ } هو العزيز الذي ربّاه واحسن إليه في معيشته في بيته وإكرامه والعناية به . لكن الذي نراه انه قصد الله سبحانه وتعالى ، فاستعاذته بالله من الوقوع في الاثم ، تشير إلى انه لجأ إلى الله لمواجهة الضعف ، فتعلق قلبه لينجيه مما هو فيه ، كما تعلق قلبه بالله من قبل وهو في البئر وفي سوق الرقيق يعرضونه للبيع .
إن النفوس الكبيرة وذوي الوعي والتقى والبصيرة ، ينشدون إلى الله مباشرة في المحن والأجواء الصعبة ، فهو الذي ينعم عليهم بالرحمة ، ويعصمهم من الوقوع في المعاصي ، وهو سبحانه الذي يمنحهم قوة المواجهة ، وبذلك يحفظون أنفسهم ويحفظون حقوق الاخرين .
وعليه فإن خوفه من الله تعالى ، وايمانه العميق الثابت بأن الله وحده الذي احسن إليه ورحمه برحمته ، يجب أن يطيعه ويتجنب معصيته .
ويتفرع عن ذلك بطبيعة الحال ان يلتزم الأمانة مع العزيز ، ومع حرمة منزله فلا يطعنه بالخيانة في بيته ومع زوجه.
إنّ شخصية يوسف (ع) تشكلت بناءً على طاعة الله وصاغها بالإخلاص في عبوديته ، هي الكفيلة يبأن تجعله يتجنب المعصية ، ويجاهد نفسه لمنعها من الوقوع في الآثام التي تستوجب غضب الله ،وعندما يكون على هذا المستوى من التوجه ، فانه بالضرورة سيعطي لكل صاحب حق حقه ، ولن يظلم بشراً أبداً ، ولن يخون الأمانة ، وهي مجاهدة مستمرة لا تتوقف بحكم طبيعة الحياة البشرية وما يواجه الإنسان من اغراءات الشهوة واهواء النفس والصراع مع الذات .
- جاء البحث الثاني للأستاذ المتمرس الدكتور عبد الأمير كاظم زاهد - ببحثه المعنون ( قراءة الناءيني للنصوص الدينية بشأن الدولة) استطرق الباحث ان اختياره للبحث هو لانسجامه لما يمر به الشارع اليوم من عملية بناء صورة ديمقراطية جديدة والناءيني لا يقل قدرة ودرجة عن جمال الدين الافغاني ومحمد عبدة ، تسلسل البحث على خمسة مباحث هي:
1- ما المراد بالقراءة المعاصرة .
2- ما الداعي للقراءة المعاصرة .
3- ما هو النص الديني .
4- من هو الناءيني .
5- ما هي السمات لقراءاته للنص الديني .
إذ أسس الناءيني الدولة على الرابطة الإنسانية مقابل القومية أو الدينية أو الجغرافية .واكد على قداسة مبدأ النظام العام وقداسة الدولة القانونية وقداسة مبدأ الحاكم ،ووضع أذموذجاً يقرر فيه لمشروعية الدولة فمتى ما تطابقت مع دولة الامام(ع) فالدولة سليمة ومتى ما تفارقت مع دولة الامام (ع) فإن الخلل فيها ، وقدم الناءيني أيضاً ترشيداً للإسلامية في الديمقراطية ، واكد على جملة من الأمور واهمها هي :
1- لابد من النظر والإفادة من تجارب الأمم في البناء .
2- دعا إلى برلمان لا يحكمه رجال الدين ، وحينما يرشح نفسه كنائب وفاز فانه يصبح نائباً .
3- نادى بالمساوئ في الفقه الجنائي .
4- اكد على مفهوم العصمة بتحوله إلى العدالة النسبية .
وملخصاً لما أكده الزاهد هو عندما تهاوت الخلافة العثمانية بعد الحرب الاولى وتوزعت ولاياتها الى دول صغيرة تغيرت قواعد النظام العالمي . فانقسم العالم الاسلامي الى من يرى اقامة الدولة على الغرار الاوربي ومن يرى استعادة أنموذج الخلافة الاستبدادية، ووضح الباحث انفرد الامام الناءيني بقراءة معاصرة للنص الديني فقد نادى بنظرية ولاية الامة والدولة الدستورية البرلمانية مرشداً ومصححاً لديمقراطية الغرب ، وقامت قراءته للنص الديني على الاساس العقلاني المقارن بتجارب الامم وعلى الاساس النقدي لتصورات الشيعة السابقة على عصره مثل نظرية انتظار الامام المعطلة لبناء الدولة او نظرية ولاية الفقيه منفرداً بتلك بقراءة علمية وموضوعية .
- قدم أ.م.د. حيدر حسن ديوان الاسدي بحثه المعنون ( المنهج والفاعلية في القراءة المعاصرة للنص الديني الفقهي - مقاربة نقدية بين الشبستري وعبد المجيد الشرفي ) بيّن الباحث نحن نعلم ان القراءة تعني الفهم ولكن فيها معانٍ أخرى ، وقد ركزت على هذين الشخصيتين لإن الشبستري اتخذ منحى جديداً في فهمه للعقل الإسلامي حتى استقر على ما هو عليه من اراء ونظريات واصبح له صدى كبيراً في العالم الإسلامي ، والشرفي يعدّ من المفكرين الاسلامين الذين اعتنوا بالجانب التطبيقي وعلى أساسها أجريت موازنة بين هذه الشخصيتين .
ان السؤال الأهم هو ما مدى فعالية الفقه في شكله الحالي وبنظامه العلمي المكون له ، وما مأزّق الفقه الإسلامي عند الشبستري والشرفي ؟ فبعد البحث بشكل سريع توصلت إلى ان الازمة مكونة حول امرين هما : -
الأول : النوع الابستمولوجي وهو علمي معرفي وان هذا النوع فيه مأزقين:
أ - مأزق تكويني ويتصل بالعناصر المكونة للمعرفة وطبيعتها.
ب - مأزق بنيوي عقلاني وهو مأزق منطقي في عدم الاستجابة لمجالها الذاتي تأسيساً واصلاحاً وتفسيراً.
اما الثاني : فهو مأزق الفاعلية الذي يخص علاقة المعرفة بالواقع الذي تستهدفه ويبدو انه مأزق علمي اجتماعي يتصلب بفعل المعرفة في المجتمع وما يطرح في الواقع من القضايا والمشاكل وما يتجاوز الاحكام والتشريع اذ تصبح الازمة متعلقة بممكنات الاحتواء والاستجابة للمطلب الاجتماعي المتغير .
بين الاسدي إن الشرفي يرى ان ازمة العقلي الفقهي أو اوليات دراسة النص الديني ببعده الفقهي إنها تتجلى في البعد الابستمولوجي، ويبّين ان الازمة بنيوية لا ظرفية .
كما وضح الاسدي إن الشبستري كان أكثر واقعية وان دراسة ازمة العقل الفكري في هذا النوع من الدراسة انه صب اهتمامه على شخصية الفقيه بوصفه المفسر وانه حمّل عملية القراءة للنص الديني حمّل القابليات التي يختزنها ان كانت قابليات معرفية أو اجتماعية أو ذاتية أو شخصية وجعلها في صميم النص .
ويطرح الشبستري إشكاليتين مهمتين تتصلان بهاتين المرحلتين ، من خلال أنموذجين محددين ليتضح مدى تأثير القلبيات لدى الفقيه في عملية الاستنباط الفقهي . ويقول بطريقة السؤال:
الإشكالية الأولى :- بأي معيار يستطيع الفقيه ما اذا كان الحكم الوارد في الكتاب والسنة حكماً ثابتاً ابدياً أو موقتاً محدداً بزمان ومكان وظروف معينة .
الإشكالية الثانية :- كيف يتسنى للفقيه في مرحلة التطبيق ،تشخيص موضوع الحكم أو الحالة الخاصة ليحدد لها حكماً ؟
ويجيب الشبستري ان الفقيه يحتاج في الحالتين إلى علوم ونظريات لا علاقة لها بعلم الفقه فثمة احكام ثابتة لها صفة الدوام في الديانة الإسلامية يتفق عليها جميع المسلمين لكن هذه الحقيقة بحد ذاتها لا تستطيع فرز الاحكام الثابتة والمتحولة ، واعتقد ربما يتفق مع الكثير من الاسلامين في الثابت والمتغير .
ان الاجتهاد والافتاء يفقدان معناهما اذ لم يتم التوصل إلى نتيجة بخصوص ثابت الاحكام وتحول الاحكام ويتعين على كل فقيه في كل عصر وزمان، ان يحدد احكام الحالات المختلفة ، وهذا ما لا يستطيع الفقيه الوصول إليه إلاّ بعد تحديد أبدية الاحكام أو عدم أبدية الاحكام .
- تطرق م.د. فارس فضيل - ببحثه المعنون (النص الديني وآليات القراءة المعاصرة ) ألى إن النصوص الدينية التي صدح بها القرآن الكريم والسنة الشريفة نصوصاً مثبتة – في الجملة - لمجموعة من الأحكام الشرعية وغيرها ، وأنها تشتمل على العقائد والأخلاق والسيرة على حدِ سواء .
ولا يشك - المسلم - بأن تلك النصوص الدينية هي الأساس في عمليات التنوير المعرفي والتنقيب العلمي التي بحاجة إلى مقدّمات عديدة يستندُ عليها بمثابة العتبات الممهدة لاستنطاق النص الديني .
ولا يخفى بأن تلك العتبات والقواعد منها ما سيق على نحو الإطرّاد والإنعكاس ، بحيث لا يختلف عليها اثنان في التطبيق ، وعلى سبيل حصول ذلك فهو في النقش وليس العرش .
ومن الطبيعي بأن هذا الكم من الاختلاف لا يؤثر جوهرياً على مخرجات القراءة الناقلة والناقدة .
نعم ، تبقى الآليات والمناهج الخاضعة للإجتهادات والظرفيات حافزاً للتباين في الآراء والجهود الفكرية ، وهو ما قُصِد من البحث والدراسة .
وهذا المقدار من الطرح أوجب العديد من التطورات الملحوظة في مجال القراءة الاستنباطية ، والآليات المتعلقة بالتفكير ومحدوديات النصوص وغيرها .
وعلى أية حال فهنالك العديد من الآليات التي يراد لها قراءة النص الديني نختار منها الآتي:
• اثر الزمان والمكان في تغيّر الحكم الشرعي :
بين الباحث إنّ الأحكام المأخوذة من الشارع المقدّس ثابتة لا تتغيّر مدى القرون والازمنة ولا تتبدّل بحسب اختلاف الأمكنة والأمصار، فالحلال حلال دائماً والحرام حرام كذلك ، ولكن الموضوعات العرفية متغيرة دائماً، فكلّما تغيّر الموضوع تغيّر الحكم، إذ إنّ الموضوع كثيراً ما يكون متأثّراً بالزمان والمكان ، فإذا تغيّر الزمان والمكان تغيّر الموضوع فيتغيّر الحكم تبعاً له ، والمعروف عند جمع من الفقهاء أنّ للزمان والمكان تأثيراً ودخلًا في الاجتهاد، فما المراد من ذلك؟ وكيف تتغير الأحكام باختلاف الأمكنة والأزمنة مع أنّها عامة لكلّ زمان ومكان؟
نجيب عن ذلك بالآتي :-
1- المعاني المتصورة لأثر الزمان والمكان
أولها: إنّه لا بدّ أن يكون الفقيه تابعاً للزمان .
ثانيها: ليس المراد منه تغيير الحكم من دون تغيير الموضوع .
ثالثها: أنّ تبدّل الزمان والمكان قد يكون سبباً لتنبّه الفقيه إلى مسائل جديدة وانشراح فكره وصدره .
1- : نماذج على أثر الزمان والمكان:
هنالك مجموعة من الأمثلة التي تطرح للتطبيق في هذا المجال كمسألة القيمومة وقضاء المرأة وتعدد الزوجات .
أولها : القوامية:
أريد أن أدخل في هذه المفردة من باب التساؤل وكما يأتي :
1- ما هي القوامية؟
(القيــّم) هو الذي يقوم بأمر غيره، و(القوّام) مبالغة منه. وإذا التفتنا أن هذه الجملة وإن كانت خبريّة تخبرنا بأمر القيمومة إلا أنها كسائر آيات الأحكام والمقرّرات والحقوق قد سيقت بداعي الإنشاء وجعل القانون. وهي وإن كانت تتضمّن الإشارة إلى وجوب الانقياد والطاعة من المرأة للرجل (في موارد خاصة) لكن الخطاب الأول للرجل نفسه، فهي تقرّر أن مسؤولية القيمومة داخل الأسرة - في أقل التقادير - هي للرجل.
و(القوامة) مبالغة في القيام بأمر شيء لإصلاحه بلا شك لا لإفساد شأنه. فالقوامة تنطوي على إلفات للرجل بأن يقوم بذلك بكل جدّيّة ومبالغة. وتعبير (قوّام) يفيد التأكيد على النشاط الإداري والعمل الدؤوب المستمر لتأمين الرعاية اللازمة للأسرة، فإذا كانت الآية تعين القوّامية داخل الأسرة فهي في مرتبة سابقة تحمّل الرجل أيضا تبعات هذه المسؤولية التي بعضها مالي وبعضها معنوي وشأني وبعضها اجتماعي. ومن هنا فالقوامية ليست صرف حق بل هي واجب فيقول: )وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى( سورة المائدة / الآية 2، فبالتعاون فقط يمكن إدارة الأمور غير الشخصية.
- حددت الآية على هذا الحكم قائلة:)) بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ( سورة النساء/الاية 34 ، فقد أشار الشهيد الثاني الشيخ زين الدين العاملي في كتابه (آيات الأحكام) وكما ذهب إليه آية الله جوادي آملي، فإن الآية لا تقول (بما فضلوا عليهن) وإنما )بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ( أي أن هناك في صنف الرجال هم أفضل من بعض النساء. وربما يفيد قول النبي صلوات الله عليه واله (لولا علي لما كان لفاطمة كفؤ) هو هذا المعنى، فليس صنف الرجال جميعا وعلى أي حال ودائماً هو أفضل من كل امرأة.
- القانون لا يضمن صحة تطبيقه وتنفيذه، وإذا حدث من قبل بعضهم سوء استفادة من القانون وخطأ في التطبيق فاللوم في ذلك يقع على المستغل، وكل قانون - مهما كان - قابل للتلاعب والاستغلال وهذا أمر واضح.
فهل يرى العقل والمنطق السليم أنه لو اجتمع في إنسان أفضلية واقعية وضم إلى جانبها سعياً حثيثاً ودؤوباً، وبذلاً مالياً وتأميناً للشأن الاجتماعي للآخر فهل يرى المنطق أن تقديم مقدار من الانقياد والاستسلام لإدارة ذلك الشخص أمر غير معقول؟ لا سيما والقرآن يؤكّد على أن الوظيفة الأسرية لا تقتصر على البذل المالي فقط وإنما وظيفتها تأمين المستقبل الأخروي ورفع المستوى الروحي )قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا(
وبين الباحث العديد من المسائل التي تختص بالمرأة التي عُرضت للبحث وقد ذكرها بعض الفقهاء ، ومنهم :
أـ الشيخ الجوادي الآملي :
● يجوز للمرأة أن تتولى المرجعية للنساء.
● يقبل آية الله الجوادي النبوة الإنبائية للمرأة وإنما يختص الرجال بالنبوة التشريعية.
● تجوز إمامة المرأة للمرأة.
● كما يجب على الولد الأكبر قضاء الصلوات والصيام الفائت عن أبيه كذلك يجب القضاء عن الأم.
ب ـ آية الله جناتي :
● لا يشترط في مرجع التقليد أن يكون ذكراً.
● تتصدى المرأة الحائزة على الشروط لمنصب القضاء.
● مع مراعاة الحجاب الشرعي تشترك المرأة في صف الجامعة إلى جانب الرجل.
● لا مانع من تعلم المرأة السياقة من رجل - في نظره لا يحقق هذا خلوة .
● لا يشترط إذن الأب في زواج المدركة للمصلحة والمفسدة.
● يمكن أن يكون حق الطلاق بيد المرأة وذلك بجعله شرطاً في ضمن عقد ما.
● في حال العسر والحرج يمكن للمرأة إبطال مفعول العقد في مثل عدم أداء الزوج الحقوق الواجبة عليه، أو المعاشرة إلى حد يشق على الزوجة، أو كون الزوج مبتلى بأمراض عسيرة معدية.
● يمكن للمرأة وبدون علم الزوج الحيلولة من دون الحمل، ولا يمكن له إجبارها على الحمل.
● إنما يلزم على المرأة أخذ الإذن للخروج من البيت إذا كان خروجها منافٍ لحق الزوج الخاص.
ج ـ آية الله هادي معرفت :
● إن الآيات التي تتحدث عن ضرب المرأة وتأديبها منسوخة بالنسخ التمهيدي، فقد نسخها رسول الله صلوات الله عليه بمرور الأيام.
● يرفض العلامة آية الله معرفة التفصيل المشهور بين الفقهاء في مسألة عيوب فسخ النكاح بين المرأة والرجل.
● يثبت حق الحضانة للأم سبع سنوات ولا فرق في ذلك بين الولد والبنت .
● نظرية المقاصد :
تقوم نظرية ( المقاصد ) على استشراف الأغراض للتشريع والأحكام المنبعثة من النص الديني وهذا ممّا لا خلاف فيه - عند بعض المذاهب - فإذا علمنا بوجود المصلحة وجب الأخذ بها كمفهوم الأولية ، والأقيسة القطعية . وليس هذا اجتهاداً في قبال النص ، بل هو عمل بالنص ، إذ العلم بالمقصد الشرعي تماما كالعلم بالنص . إذا لم يكن هو بالذات .
وهنالك اتجاه آخر يستهدف قراءة النص على وفق المعايير الحديثة المكتسبة من دون التقليدية المتفق عليها فــ ((البحث عن المقصد من خلال العرضي والمتغير هو الكفيل بتقديم قراءة مشروعة للنصوص الدينية ، قراءة موضوعية بالمعنى النسبي التاريخي ، ذلك أنه مع تغيّر الظروف والملابسات والأحوال ... نحتاج إلى قراءة جديدة تنطلق من أساس ثابت هو المقصد الجوهري للشريعة ))
فالحديث عن مقاصد الشريعة الإسلامية ليس بالجديد ، فهو مطروح في كتابات بعض العلماء المسلمين منذ أمد بعيد، ولعل أول جهد تأصيلي وأهمه في هذا المجال هو ما قام به الشيخ الغرناطي أبو إسحاق الشاطبي المتوفى سنة ( 790 هـ ) في كتابه (الموافقات في أصول الأحكام) وبعد الشاطبي خفتت الجهود التي كان من المفترض أن تصب في اتجاه بلورة نظرية المقاصد وتعميقها وتقويتها، إلى أن انبعث وعاد هذا المنحى إلى التداول والظهور في العصر الحديث من خلال جهود وكتابات الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (ت: 1369هـ) والشيخ علال الفاسي وغيرهما.
ولو جئنا إلى الأوساط العلمية الشيعية ، لوجدنا أن أصول الفقه وكذا علم الفقه الشيعي، كان ولا يزال مقفلاً – في الجملة - أمام التفكير المقاصدي باستثناء ما نجده من إشارة في غاية الأهمية لكنها تكاد تكون يتيمة في هذا المجال، وهي ما طرحه الشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني ( ت 786 هـ ) في كتابه القيم (القواعد والفوائد) فإنه بعد تقسيم الحكم الشرعي إلى ما يكون الغرض الأهم منه الآخرة وهو العبادة، وما يكون الغرض الأهم منه الدنيا وهو المعاملة، يذكر بعض مصاديق القسم الثاني، ومنها الوسائل الخمس :
(( الوسيلة الرابعة : ما هو وصلة إلى حفظ المقاصد الخمسة ، وهي : النفس ، والدين ، والعقل ، والنسب ، والمال ، التي لم يأت تشريع إلا بحفظها ، وهي ( الضروريات الخمس ) . فحفظ النفس بالقصاص ، أو الدية ، أو الدفاع . وحفظ الدين بالجهاد ، وقتل المرتد . وحفظ العقل بتحريم المسكرات والحد عليها . وحفظ النسب بتحريم الزنا ، وإتيان الذكران ، والبهائم ، وتحريم القذف والحد على ذلك . وحفظ المال بتحريم الغصب ، والسرقة ، والخيانة ، وقطع الطريق والحد والتعزير عليها ))
ومن الأمثلة على ذلك هو :
1 - مفاسد الخمر والميسر .
2- الربا وتدمير المجتمع .
3 ـ الزنا ومفاسده .
وتطرق الباحث الى بعض الضوابط التي وضعها فقهاء الامامية لمعرفة علل الأحكام للاستفادة منها وكما يأتي :
إن لمعرفة ملاكات الأحكام واكتشاف عللها، وسائل وطرق عديدة كثر الاستناد إليها في كلمات الفقهاء، ومنها ما هو قطعي ومنها ما ليس كذلك، وبعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه وفيما يلي نستعرض أهم هذه الوسائل مع بعض ألامثلة التي تعبر عن ارتكازية المنحى المقاصدي عند الفقهاء:
- منصوص العلة : تردّ بعض الأحكام في النصوص معللة بشكل واضح وصريح وفي هذه الحالة يلتزم معظم الفقهاء بتعميم الحكم إلى كل الموارد التي تتوفر فيها العلة، وأمثلة ذلك كثيرة منها ما ورد عن الإمام الرضا (ع) : ماء البئر واسع لا يفسده شيء... لأن له مادة، فإنه علل عدم انفعال ماء البئر بمجرد ملاقاة النجاسة بكونه ذا مادة، وانطلاقاً من ذلك أفتى الفقهاء بأن كل ماء له مادة كالنبع فهو معتصم ولا ينفعل بملاقاة النجاسة، ومن أمثلته أيضاً: ما ورد عن الإمام الكاظم (ع) في بيان علة تحريم الخمر قال تعالى (( إن الله عز وجل لم يحرم الخمر لا اسمها ولكن حرمها لعاقبتها فما كان عاقبته الخمر فهو خمر)) إذ يمكن الاستناد إليه في تحريم كل المسكرات وما تكون عاقبته عاقبة الخمر.
- قياس الأولوية : وهو ما كان اقتضاء الجامع فيه للحكم بالفرع أقوى وأوكد منه في الأصل، ومثال ما ورد في الكتاب من النهي عن التأفف من الوالدين ولا تقل لهما أف القاضي بتحريم ضربهما وتوجيه الإهانة إليهما .
- تنقيح المناط القطعي وإلغاء الخصوصية : ويراد بتنقيح المناط : أن يضيف الشارع الحكم إلى سببه فيقترن به أوصاف لا مدخل لها في الاضافة، فيجب حذفها عن الاعتبار ليتسع الحكم ومثلوا له بقصة الأعرابي الذي قال للنبي (ص) (( هلكت يا رسول الله، فقال له ما صنعت؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان، قال: أعتق رقبة )) فقد استفادوا عدم الخصوصية في كونه أعرابياً فألحقو به جميع المكلفين .
- تخريج المناط : وهو أن ينص الشارع على حكم في محل من دون أن يتعرض لمناط أصلاً كتحريمه للربا في البر فيعمم إلى كل مكيل من طريق استنباط علته بدعوى استفادة أن العلة في التحريم هو كونه قليلاً ، ولكن هناك اتجاهاً فقهياً يرى أن هذا الكلام ليس صحيحاً على اطلاقه ، وإنما يصح في حقل التعبديات أما في المعاملات فقد يمكن للفقيه الجزم بالملاك، من قبيل ما نراه عند العلامة الحلي في إلحاق كلب الزرع والماشية بكلب الصيد في جواز البيع مع أن النص وارد في الأخير، لكنه فهم أن المقتضي والملاك في جواز بيع كلب الصيد هو المنفعة المتوفرة فيه مع حاجة الناس للمعاوضة عليه فهذا الملاك موجود في الكلاب الأخرى بل ربما يكون الانتفاع بغيره أكثر منه والحاجة إليه أشد.
- الذوق الفقهي : إن إحاطة الفقيه بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وتوفره على رؤية كاملة عن واقع الشريعة وكامل فرعها ودورها في الحياة كل ذلك يساهم في تكوين ما يسمى بالذوق الفقهي الذي يمكن اعتماده في محاولة اكتشاف الملاك وتقييد بعض النصوص أو تعميمها في ضوئه وبملاحظة مناسبات الحكم والموضوع.
وعلى سبيل المثال: إن ما دل على لزوم إرجاع العين المغصوبة إلى صاحبها لم يقبل بعض الفقهاء باطلاقه كما إذا صارت العين جزء من دار الغاصب أو سفينته مثلاً، بحيث يكون بإرجاعها مؤدياً إلى خراب ملكه، مستنداً في ذلك إلى أنه إلزامه بالإرجاع والحال هذه مما يأباه الذوق الفقهي.
● المناهج الأدبية والاجتماعية:
هنالك مجموعة من المناهج التي تحاول قراءة النص الديني بعيداً عن عصامية الأصولية الدينية التي ترى أن النصوص قوالب مقدّسة بحدّ ذاتها ولا يتأتى لكل شخص قراءتها بما يليق بها ، قال تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ سورة ال عمران / الآية 7 .
أولاً: البنيوية :
منهج فكري وأداة للتحليل ، تقوم على فكرة الكلية أو المجموع المنتظم . اهتمت بجميع نواحي المعرفة الإنسانية ، وإن كانت قد اشتهرت في مجال علم اللغة والنقد الأدبي ، ويمكن تصنيفها ضمن مناهج النقد المادي .
كانت البنيوية في أول ظهورها تهتم بجميع نواحي المعرفة الإنسانية ثم تبلورت في ميدان البحث اللغوي والنقد الأدبي وتعدّ الأسماء الآتية هم مؤسسو البنيوية في الحقول المذكورة:
1- ففي مجال اللغة برز (فريدنان دي سوسيرا) الذي يعدّ الرائد الأول للبنيوية اللغوية الذي قال ببنيوية النظام اللغوي المتزامن، إذ أن سياق اللغة لا يقتصر على التطورية Diachronie، وأن تاريخ الكلمة مثلاً لا يعرض معناها الحالي، ويمكن في وجود أصل النظام أو البنية، فضلاً عن ذلك وجود التاريخ، ومجموعة المعاني التي تؤلف نظاماً يرتكز على قاعدة من التمييزات والمقابلات، إذ إن هذه المعاني تتعلق ببعضها، كما تؤلف نظاماً متزامناً إذ أن هذه العلاقات مترابطة.
2- وفي مجال علم الاجتماع برز كل من :( كلود ليفي شتراوس) و(لوي التوسير ) اللذين قالا: إن جميع الأبحاث المتعلقة بالمجتمع، مهما اختلفت، تؤدي إلى بنيويات؛ وذلك أن المجموعات الاجتماعية تفرض نفسها من حيث أنها مجموع وهي منضبطة ذاتياً، وذلك للضوابط المفروضة من قبل الجماعة.
3- وفي مجال علم النفس برز كل من )ميشال فوكو ) و)جاك لا كان ) اللذين وقفا ضد الاتجاه الفردي Test is Contest في مجال الإحساس والإدراك وإن كانت نظرية الصيغة (أو الجشتلت) التي ولدت سنة (1912م) تعد الشكل المعبر للبنيوية النفسية ، يتبع أنصار البنيوية على أن قيمة النص في البنية التركيبة هي الأساس في ذلك مع قطع النظر على ملازمات النص الأخرى .
ومن أهم مبادئ البنيوية:
إن أبرز المبادئ التي قامت عليها البنيوية هو مبدأ أنَّ (( الأدب نصٌّ مادِّيٌّ تامٌّ منغلق على نفسه )) أي أن دراسة الأعمال الأدبية عملية تتمُّ في ذاتها، بغض النظر عن المحيط الذي أنتجت فيه ؛ فالنص الأدبي منغلقٌ في وجه كل التأويلات غير البريئة التي تعطيه أبعادًا اجتماعية أو نفسية أو حتى تاريخية، ومادِّيٌّ في كونه قائمًا على اللغة ؛ أي: الكلمات والجُمَل فضلاً عن ذلك هناك مبدأ مهم نادى به رولان بارت ألا وهو قوله (( اللغة هي التي تتكلم، وليس المؤلف ، وذلك حين ضمَّن هذا التصور في مقالته - موت المؤلف - من كتابه )) وهذا يعني إلغاء شخصية الكاتب لكي يتولَّد المعنى بعيدًا عن كل المؤثرات الخارجية على أنَّ بعض الدارسين يعدُّ هذه المقالة من أوائل مراحل ما بعد البنيوية .
ويبقى التساؤل قائماً : هل بالإمكان تطبيق البنيوية على النص الديني ؟
نجيب إن ذلك متوقف على المعنى المراد منها .
وفي ضوء ذلك لا يمكن تطبيق البنيوية بالصورة المتقدمة ضرورة الاصطدام العقدي لدى المسلمين .
ثانياً : التفكيك :
التفكيكية : مدرسة ادبية نقدية نشأت في فرنسا على يد الفيلسوف الفرنسي (جاك دريدا ) وهي حركة ما بعد الحداثة تحاول ان تهز الاسس الميتافيزيقية للحضارة والفلسفة الانسانية وذلك لكشف مقدار اللاتعين الاختياري في مفاهيمها الثنائية وتعدّ الفكرة الاساسية للمدرسة التفكيكية في انها تنظر الى الثقافة والفلسفة الانسانية كنصوص، القصة نص، والقصيدة نص والكتاب الفلسفي نص ، وترى ان الحضارة الانسانية حفظت وانتقلت على شكل ملايين النصوص وتنظر المدرسة التفكيكية الى ان الكتابة شكل ادنى من اشكال ايصال المعنى وتفضل عليها الصوت تبعاً لميتافيزيقا الحضور.
وقيل : انها منهج ادبي نقدي ومذهب فلسفي معاصر يذهب الى القول باستحالة الوصول الى فهم متكامل او في الاقل متماسك للنص أياً كان، فعملية القراءة والتفسير للنصوص هي عملية اصطناعية محضة يقوم بها القارئ الذي يمارس التفسير وبذلك يستحيل وجود نص متماسك او متجانس .
والتفكيكية اذا تم توضيفها كمادة للتشكيك في النصوص الدينية والاعتقادية ونزع طابع السلطة عن النص الديني واحالته الى مجرد نص عادي ومعاملته كنتاج انساني وتسطيح المفاهيم والدلالات العقائدية والشرعية والتلاعب بالكلمات والعبارات وتفكيك العلاقات التي تعطي للنص وحدته وروحه وتفسيره تبعاً للعدة المفاهيمية المستعملة في منهج التفكيك فلا يجوز التعاطي مع النتائج المترتبة على تطبيق هذا المنهج واما اذا مورست في نطاق معرفي اخر غير الدين من دون ان يترتب على ممارستها أي نزاعات اجتماعية او صرعات فلا مشكلة في ذلك.
وتعد نظرية التفكيك من النظريات النقدية المعاصرة والتي خرجت من عباءة النظرية البنيوية على نحو التمرّد والانشقاق ، تقوم نظرية ( التفكيك ) على تجزئة النصوص الأدبية في محاولة للفهم الجديد ضمن معطيات القارئ وارتكازاته المعرفية ، وبالتالي فإن المنهج المتبع يُفرد آراء مغايرة من قارئ لآخر قطعاً ، لعدم الاتفاق المعرفي بين مختلف القرّاء.
ويرى مؤسسها ( درديا ) بأن النص لا يحمل فقط البنية فحسب بل هنالك جوانب بين النص وجوانبه والسؤال المهم : أنه هل بالإمكان تطبيق تلك النظرية على النصوص الدينية أو لا ؟ الجواب عن ذلك يتوقف على المعنى المراد من التفكيك .
والتفكيكة منهج نقدي وتفكيك للمفاهيم السائدة قامت على التشكيك وزعزعة كل يقين ، انطلقت من التشكيك في العلم ثم تحوّل إلى شك في كل شيء.
فقد شككّت التفكيكية في العلاقة القائمة بين الدال والمدلول والمعنى المتولد عنهما وهذا ما لا يقبله المنطق ، إنّ شك التفكيكية في اللغة نتج عنه شكّ في كل قراءة أو تأويل للنصوص، وهكذا فتحت التفكيكية الباب على مصراعيه لتعدد القراءات فعصامية التفكيك في الاحتكام إلى اللغة ، وإقصائها الملابسات الخارجية جميعها انتهى بإلغاء المؤلف والحكم عليه بالموت . وهنالك العديد من الشخصيات التي مارست البحث المعرفي في مسألة التفكيك .
- وختاماً مع بحث د. مصطفى عبد الحسن المعنون(قراءة معاصرة في الفكر الاقتصادي لبعض النصوص النبوية) تناول الباحث في هذه الورقة أربعة احاديث نبوية تعاني من لبس الفقهي وطبق على كل من هذه الاحاديث اربع قراءات وهي :-
1- القراءة التقليدية
2- القراءة غير التقليدية
3- القراءة في ضوء الفكر الاقتصادي الرأسمالي
4- القراءة في الفكر الماركسي
الحديث الاول : وتحدث الترمذي عن رافع بن خديج ان الرسول الله (ص) قال نهانا رسول الله (ص){ عن أمر كان لنا نافعاً إذا كانت لأحدنا أرض أن يعطيها ببعض خراجها أو بدراهم وقال إذا كانت لأحدكم أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها} هذا الحديث فيه شقين الاول الحكم السابق الذي ينتج عن مسألة كراء الارض ومنها مذاهب فقيه كثيرة وكل مذهب فقهي فيه خمس قراءات ولكل مذهب فقهي قراءة اولى وقراءة ثانوية ضمن القراءة الاولى التقليدية .
اما القراءة الثانية قراءة السيد الشهيد الصدر أنه قرأ هذه الاحاديث بانها منطقة لمنطقة الفراغ التشريعي والفرق بين القراءتين هي البعد الزمني والانتمائي لمدرسة معينة او لمذهب معين بحيث نظرت ان قراءة الاولى نظرت لشخصية الرسول (ص) كانت شخصية مبلغ فقط ، والقراءة الثانية اضافت الى ذلك انه كان ولي امر وله صلاحيات منطقة الفراغ التشريعي التي مارسها في هذه التطبيقات وغفل بعض الفقهاء ان هذا الحديث لم يوضع في سياقة الزمني .
ما انتجت لنا هذه الغفلة ؟
انتجت الغفلة انه عندما هاجر المسلمون من مكة الى المدينة وكانت المدينة مجتمع زراعي وهذه الهجرة ادت زيادة عدد السكان وادت الى حدوث بطالة لهؤلاء المسلمين القادمين مكة. كيف يتم حل هذه المسألة؟ حلت المسألة بواسطة القراءة الماركسية وبينت مسألة المشكلة الاقتصادية هي المشكلة بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، يبدأ التغير اولاً من قوى الإنتاج ثم ينعكس على علاقات الإنتاج ، الذي حصل من الحديث ، فنلاحظ ان الرسول (ص) طبقها بشكل معاكس أو انه غير علاقات الإنتاج وعطل مسألة التجارة من خلال صلاحياته لتطبيق الفراغ التشريعي ليجعل هناك دخل واحد لجميع المجتمع المدني وليس هناك شخصاً له عملان عمل يدوي أو من الري أي متعدد أي عمد إلى تعطيل مسألة التجارة والانتقال وهي معاكسة لنظرية ماركس ، والقراءة الرابعة في ضوء الفكر الاقتصادي الرأسمالي وهي زيادة عرض الأراضي منيحةً ومعناها تحويل الدخل الحقيقي المتولد من رأس مالي معين إلى شخص محتاج ولفترة زمنية . هذا التحويل جاء لحل مشكلة البطالة الذي كان مجتمع زراعي ولحل هذه الازمة تم استخدام مسألة المنيحة أي منحها لشخص اخر أي يخفض لتكلفة الشخص البديلة أو المانح وهذه الحركة كانت من الرسول (ص) بسياسية اقتصادية شرعية مؤقتة والخلاف جاء لسد منطقة الفراغ التشريعي وانعكس على الخلاف الفقهي ومنهم من يؤيد كراء الأرض ومنهم لم يؤيد كراء الأرض أي لكل مذهب من المذاهب الأربع في اتجاه .
الحديث الثاني : حدثنا إسماعيل حدثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول (ص) قال { لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلإ }،ركز الباحث على قراءة السيد الشهيد الصدر بانها احدى التطبيقات لسد الفراغ التشريعي والقراءة الماركسية أيضاً غيرت من علاقات الإنتاج وليس كما تقول النظرية الماركسية تبداً من قوى الإنتاج وانه بالعكس تماماً ، والقراءة الرأسمالية لهذه المسألة هي ان البئر فيه كلفتين كلفة حفر البئر الثابتة - كلفة البئر- وكلفة متغيرة هي - كلفة منع الماء - وهي لسقي المزروعات وهذه تكلف المجتمع لأنها خسارة على المجتمع لأن الكلفة الحدية تكاد تكون صفر وهذه السياسة جاءت لتنمية الثروة الحيوانية والثروة الزراعية واخذت طبيعة مجتمع المدينة آنذاك لأنه مجتمع زراعي وفيها خسارة اجتماعية بحته ليس له مخصص.
الحديث الثالث : عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال الرسول(ص): { لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد ) قلت لـ ابن عباس : ما قوله: ولا بيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمساراً } .وهي القراءة التقليدية الفقيه نفسها وقراءة السيد الشهيد الصدر نفسها انه استخدم منطقة الفراغ التشريعي في مسألة تلقي الركبان وفي القراءة الماركسية الكلام نفسه اما في القراءة الاقتصادية فان المتلقي تلقي الركبان القادمين للتسوق من خارج مجتمع السوق بانه لا يعرف معلومات كاملة عن السوق بانه يبخس حقه شراء بضاعته في عدم معرفته الأسعار وشراء بضاعته والقضاء على هذه الوسطة في القضاء على المنتج والمستهلك.
الحديث الرابع: حديث الاحتكار وهو مشهور عن امير المؤمنين(ع) في كتاب مالك بن الاشتر ( فامنع الاحتكار فان الرسول منع عنه ) هو خلق عرض كامل في ضوء الفكر الاقتصادي ، هو خلق عرض كاذب أو طلب كاذب لان المحتكر يقوم بالتحكم اما بالكمية أو السعر لأنه لا يستطيع التحكم بهما معاً ، وانه كان سياسة شرعية في مسألة الاحتكار كونها تضر المجتمع بشكل كبير لأن المحتكر يحجب السلع الأساسية خصوصاً في هذا الوقت مثل الحبوب والسلع الاستراتيجية وهذا يؤدي الى ارتفاع الأسعار بصورة كبيرة .
- الخاتمة والنتائج :
في الختام نشير إلى أن المناهج والآليات المراد التعرّف عليها تتصف بما يأتي :
1- من الأهمية بمكان متابعة الحيثيات الزمكانية للنصوص الدينية في موارد تطبيقها وجريانها .
2- تعدّ المقاصد ذات أبعاد هائلة في التطبيق إذا ما أُحسن استخدامها بشكل جدّي بعيداً التأثيرات الشخصية والشأنية .
3- الأدوات الاجتهادية هي جهود بشرية وبالتالي تختلف من قارىء إلى آخر ومن متلقي عن غيره .
4- تتبدّل تلك الأدوات بتغيّر الزمان فليست هي نصوص ثابتة أو مقدّسة لا ينالها التغيير سيما مع إن العالم اليوم قرية صغيرة .
5- لم يتفق الباحثون على مدلول تلك الآليات وبالتالي نجد هنالك العديد من الآراء في توضيحها وتوصيفها .
6- من المعروف عند أهل الاختصاص أن الشهرة وعمل الاصحاب يكون معضداً وكاشفاً عن أن تلك الطرق المستعملة في عمليات بيان النص مقبولة في الجملة ، وهذا ما لا يتحقق في الآليات المعاصرة .
7- أن ما يُسمّى بآليات القراءة المعاصرة – في الجملة – إنما يراد منه قراءة النص الادبي والاجتماعي وليس الديني .
● التوصيات : إقامة مؤتمر دولي ومحلي يضم النخب المعرفية في مجال النص الديني ومن مختلف المذاهب الاسلامية للوقوف على أهم المخرجات في ذلك .









.jpg)
